بسم الله الرحمن الرحيم..
والحمد والثناء والمجد والعظمة له كما يستحقه دائماً وأبداً..
اللهم صلِ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ما أحاط به علمك وإلعن ظالميها وغاصبيها وعجّل فرج المنتقم لها من أعدائها وأعدائنا..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
المعصومة الصغرى ورواية المحمل المزعوم
يتناقل بعض الخطباء عن بعض أرباب المقاتل أخباراً عن واقعة كربلاء تُفجع القلوب أحياناً، وأحياناً أخرى تبين لنا بأن أهل بيت العصمة والطهارة يفعلون ما يمنعون الناس عن فعله أو كأن بهم نقصاً أو عيباً...
الروايات في هذا الشأن كثيرة ولا مجال لعدها فضلاً عن حصرها، ومنها على سبيل المثال زفة القاسم بن الحسن يوم العاشر من المحرم بأرض كربلاء، فأي زفاف بين نهرٍ من الدماء الزكية والقلوب المدمية حزناً على أحبابها!!
وعندما سُأل أحد الخطباء عن مثل هذه الروايات أجاب: (نحن نعلم بأنها روايات غير صحيحة، ولكننا نقلها من أجل تعظيم المصاب)!!
وهل مصائب أهل البيت عموماً ومصائب الإمام الحسين خصوصاً تحتاج إلى تعظيم وتضخيم!! إنما هي بمجرد سردها يتفطر القلب ألماً وحزناً على ما جرى للحسين وأهل بيته، ويتأثر البعيد عن التشيع بل عن الدين بذكرها فضلاً عن شيعته ومحبيه ومواليه، بل حتى أملاك وسكان السماوات بكت على مصابه قبل سكان الأرض..
ولنا هنا وقفة مع رواية المحمل المزعوم (أحد الروايات المغلوطة).. ومما يتناقله بعض الخطباء أيضاً بأن سيدتي ومولاتي زينب بعدما رأت جسد الحسين مقطع الأعضاء بلا رأس ولا يدين والسهام والسيوف قد غزت جسمه الشريف لم تستطع تمالك نفسها، ونطحت برأسها مقدم المحمل ورمت نفسها من فوق الناقة وهوت عليه تقبله، فلو أردنا الحديث عن هذه الرواية فالحديث سيطول ويطول ولكننا نريد التحدث عن صحتها وحدوثها على أرض الواقع الفعلي، عن طريق العقل.
مما هو مسلّم عند أصحاب الخبرة والحديث بأن لكل رواية دراسة من حيث المتن والسند، فإذا ثبت سند الرواية تمت دراستها بالمتن بحيث لا تخالف كتاب الله أو العقل، فحتما ستكون هناك روايات لا تنطبق عليها الشروط والضوابط الشرعية وهناك منها ما يُخالف العقل فهل نأخذ بكل ما يردنا من روايات!!
وصية الإمام لأخته والتزامها بالوصية:
عندما أراد الحسين النزول للمعركة وقد بقيّ وحيداً رأى عزيزته زينب ودموعها تنحدر وهي تناديه: يا آخر ذكرى، يا آخر الأحباب، اليوم قُتل جدي محمد، اليوم قُتل أبي علي، اليوم قُتلت أمي الزهراء، اليوم قُتل أخي الحسن، فقال لها الإمام: (يا أخية لا يُذهبّن حلمك الشيطان.. يا أخية اتقي الله، وتعزيّ بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده، أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة.. يا أخية إني اقسم عليك فابري قسمي ولا تشقى علي جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعى علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت).
وبعد مقتل الإمام الحسين رأته فخر المخدرات ملقاً على التراب مقطع الأعضاء وحزوز الرأس من القفا، وقفت أما الجثمان الطاهر وقالت: أأنت أخي، أأنت ابن والدي!! يا جدّاه يا رسول الله ، صلّى عليك مليك السماء، هذا حسينك بالعراء، مزمّلاً بالدماء، مسلوب العمامة والرداء، ثم قالت :بأبي من لا غائب فيرتجى ، ولا جريح فيداوى، بأبي من نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبه يقطر بالدماء، بأبي من جدّه رسول إله السماء، فأبكت والله كلّ عدوّ وصديق، وأتت لتضم جسد أخيها رافعة بصرها نحو السماء قائلة: (اللهم تقبل منا هذا القربان)..
وموقف آخر لها عندما سألها ابن زياد في مجلسه بالكوفة وسط أجواء الفرح والسرور بالنصر العسكري: كيف رأيتِ فعل الله بأخيكِ؟.. فقالت بكل جرأة وحزم: (ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة)، فأخرسته ومن معه في مجلسه، فمثل هذه المواقف هل يُعقل بأن تكون قد فقدت سيطرتها على نفسها لحظة المصاب وخالفت أخيها!!
ولو أردنا القول والتسليم بمثل هذه الرواية (نطح السيدة جبينها بمقدم المحمل من هول المصيبة) أو حتى مجرد خروجها من خيمتها ناشرة الشعر لاطمة الخد خامشة الخد، فستترتب عدة أمور من نواقص ومساؤى (نخجل من وصفها لشريكة الحسين في ثورته بل هي التي أكملت مشوار الثورة التي بدأها الإمام)، فستكون النتيجة كالتالي:
1. مخالفة صريحة من السيدة لإمام زمانها المفترض الطاعة.
2. عدم مقدرتها على الصبر فضلاً عن تصبير النساء والأطفال.
3. عدم كفاءتها ومقدرتها على تسلم زمام القيادة حتى نهوض السجّاد من علته.
4. إظهار المفاتن أمام الأعداء بشقها لجيبها أمامهم.
5. فاقدة للستر والعفاف بخروجها ناشرةً شعرها بلا حجاب.
والعجيب في الأمر بأننا نتفق على أن فتياتنا يجب عليهن أن يلتزمن بالحجاب الزينبي والعفاف الزينبي!!
ولو سألنا أصحاب الألباب: هل هذا ما تربت عليه زينب منذ صغرها!! بل من مثلها وقد تلقت تربيتها من الأنوار الخمسة رسول الله، وأمير المؤمنين، وسيدة نساء العالمين، وسيديّ شباب أهل الجنة!!
أليست هي (التي كان عمرها لا يتجاوز الخامسة كان أمير المؤمنين يطلب منها الترديد خلفه، فقال لها واحد: فردت واحد، فقال لها اثنين: فسكتت فقال لها الأمير ما بكِ لا تُجيبين!! فقالت: كيف باللسان الذي نطق بالوحدانية لله جل وعلا شأنه بأن ينطق باثنين)، هذه التي لم يرى أحد مجرد خيالها حتى أن الأمير كان لا يُخرجها نهاراً وإذا أرادوا زيارة قبر رسول الله والزهراء كان يذهب برفقتها مع إخوتها ليلاً، فكان الأمير من أمامها والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها، وكلما مر أحد بالطريق أطفئ الأمير نور القنديل، فسأله الحسن ذات مرة عن سبب قيامه بذلك فقال: أخشى أن ينظر أحد إلى شخص (ظل) أختك زينب، فهل بعد كل تلك السنين من التربية الصالحة وتهذيب النفس تزل قدمها بعد ثبوتها، والثابت بأنها حافظة الإمام الشرعي (زين العباد) بعد مقتل والده!!
ورُب قائل يقول: إذا كنا لا نصدق هذه الرواية فلماذا نصدق كل ما جرى على الزهراء وعلى الحسين على عظم مكانتهما بين المسلمين!!
الجواب بسيط وبدون الدخول في التفاصيل، ((هناك فرق كبير بين الفاعل والمفعول به))، (فالزهراء والحسين وقع الظلم والفعل عليهما ولم يكونا هما الفاعلين)، (أما السيدة زينب فهي الفاعلة وهي التي قامت بهذا الفعل)، فالفرق واضح جلي.. وحاشى لهذه السيدة الجليلة التي لم تُحدِّث نفسها بالمعصية يوماً، حتى اكتسبت عصمةً إكتسابية من مجاهدة النفس والزهد عن الدنيا ولذاتها، بأن تخالف إمام زمانها وتفقد السيطرة على نفسها وهي من أخجلت طاغية عصرها بخطبتها التي هزت أركان البلاد الإسلامية.
الخلاصة:
إذا كان هناك عقلٌ يعتبر بأن هذه الرواية صحيحة وحدثت فعلاً، فإنه بحاجة لإعادة البحث والتدقيق في روايات وسيرة حياتها، بل وحتى دراسة علوم الحديث بحيث يستطيع التمييز بين القوي والضعيف، وما يُوافق شرع الله وما يُخالفه..
فنحن أصحاب الألباب والعقول مطالبون ومحاسبون من قِبل الله تعالى على هذه النعمة الكبرى التي وهبها الله تعالى إلينا.. واحذر بأن تكون سيدتك ومولاتك زينب خصيمتك يوم المحشر ويوم الفزع الأكبر بنسبك إليها هذه المهانة والنقيصة..
وأنت أيها المحب والموالي لزينب! هل يقبل عقلك هذه المهانة لهذه السيدة الجليلة عوضاً عن تكريمها وتبجيلها لما قدمت وأوصلت لنا ثورة السماء من كربلاء!!
ملاحظة:
لا أقصد من موضوعي هذا الخوض في مسألة التطبير أو غيرها.. بل أريد دفع شُبهةٍ عن سيدتي ومولاتي زينب سلام الله عليها، ولا أبتغي غير شفاعتها وشفاعة جدها وأبيها وأمها وأخوتها عليهم سلام الله أجمعين.
تحياتي وإحترامي للجميع.. خادمكم عاشق الإمام..
نسألكم الدعاء.. ودمتم في رعاية المولى سالمين..